Contact Us
8:30 AM - 3:30 PM

الانستقرام

Instagram did not return a 200.
لماذا غير قابل للتناظر؟
أغسطس 19, 2021 0

لماذا حق الشعب الفلسطيني غيرُ قابلٍ للتناظر؟

اعتاد مركز مناظرات قطر أن يضع مختلف القضايا المحلية والعالمية في حلبة المناظرة، حيث تخضع وجهات النظر المتباينة والآراء المتعددة إلى حُكم المنطق، فتُقارع الحجة بالحجة، وتظهرُ مساحاتُ الحوار والاختلاف على اتساعها، فتتضح الطريق نحو الحقيقة. إلا أن عدالة القضية الفلسطينية جليّةٌ من مختلف الجوانب والمنطلقات، وأي نقاش يرفض عدالتها يتبنى موقفاً غير أخلاقيٍ بالضرورة، فلا يمكن تبرير الظلم عندما يكون الحق واضحاً، وهو ما سنبينه في هذا المقال عبر محورين اثنين نجيب فيهما على سؤال لماذا حق الشعب الفلسطيني غيرُ قابلٍ للتناظر؟

المحور الأول: كيان الاحتلال الاستيطاني غير شرعي منذ النشأة

لفهم القضية الفلسطينية لا بد من العودة إلى أصول نشأتها، ولا بد من فهم السياق الكامل لها، فمن الأخطاء الشائعة اليوم أن يتم النظر للأحداث في فلسطين بشكل مجتزأ من السياق التاريخي. وعلى الرغم من أن الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني كان في عام ١٩٤٨، إلا أن أصول القضية تعود نحو خمسين سنة قبل ذلك عندما قام هيرتزل بتأسيس المؤتمر الصهيوني الأول عام ١٨٩٨، والذي دعا فيه لتأسيس دولة قومية لليهود، وهو ما قامت به الحركة الصهيونية لاحقاً على أرض فلسطين مدعومة من القوى الاستعمارية الغربية كبريطانيا، حيث استغلت الحركة الصهيونية الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا لتكسب التعاطف والدعم لمشروعها الاستيطاني في فلسطين، كما أنها روجت لمشروعها بين أوساط اليهود معتمدة على رؤيةٍ دينية يهودية لتحثهم على الهجرة إلى الأرض الموعودة وقدمت لهم كل أنواع الحوافز الممكنة، وهنا يكمن عدد من الإشكاليات التي لا بد من توضيح بعضها:

أولاً: الكيان القائم على التطهير العرقي هو كيان غير شرعي.

قام الكيان الصهيوني منذ نشأته على أساس تمييز عنصري ديني، تمثل بحملات تطهير عرقي شملت معظم أراضي فلسطين، وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة اعتمدت “اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية” عام ١٩٤٨ [١]، إلا أن الصهاينة قاموا حينها بإجلاء السكان الأصليين من أراضيهم -باستثناء اليهود- باستخدام القوة والعنف، وتسببوا بمقتل وتهجير أكثر من ٧٠٪ من السكان الأصليين لأرض فلسطين من العرب المسلمين والمسيحيين، متسببين بجريمة حرب بغرض إقامة دولتهم غير الشرعية [٢].

ثانياً: حق أصحاب الأرض لا يسقط بالتقادم.

يؤمن الصهاينة بأن الكيان الصهيوني يجب أن يكون “دولة يهودية” على أرض فلسطين تكون لليهود فقط دون غيرهم، ونتيجة لذلك فقد تم تشجيع هجرة اليهود إلى أرض فلسطين من كل أنحاء العالم، وتم إعطاؤهم أراضي الفلسطينيين لمجرد كونهم يهوداً دون أن يكون لهم أي حق شرعي فيها، كما تم تعزيز ذلك عبر قوانين غير أخلاقية مثل قانون “أملاك الغائبين” عام ١٩٥٠ الذي يشرعن لليهود سرقة الأراضي [٣]. إلا أن صدور مثل هذه القوانين ومرور أكثر من ٧٠ عام على مصادرة هذه الأراضي لا يسقط حق الفلسطينيين بأراضيهم، فهم لم يتنازلوا عنها ولم يبيعوها، ولم يختاروا الخروج منها طواعية، بل أجبروا على ذلك باستخدام العنف والترهيب، وهذا ما يجعل من الكيان الصهيوني المثال الأبرز لجريمة “الاحتلال الاستيطاني” في التاريخ المعاصر.

ثالثاً: تعرض فئة من الناس للاضطهاد لا يبرر لهم اضطهاد غيرهم.

اعتاد الصهاينة على الترويج لدعاية مُضللة أمام العالم تستغل حقيقة تعرضهم للاضطهاد لفترات طويلة في مختلف أرجاء أوروبا، وأنهم عانوا من النبذ والظلم، وأنهم كانوا ضحايا الكثير من الجرائم البشعة كالمحرقة النازية. وعلى الرغم من صحة هذه الرواية، إلا أن الدعاية الصهيونية تتجاهل عمداً مجموعة من الحقائق:

  1. أرض فلسطين كانت مأهولة بسكانها ولم تكن أرضاً فارغة كما زعمت الحركة الصهيونية، وبالتالي فإن استيطان اليهود فيها تسبب بالكثير من الجرائم البشعة كما أوضحنا أعلاه.
  2. الاضطهاد غيرُ أخلاقي بكل أشكاله، وذلك يشمل الجرائم التي ارتكبها الصهاينة بحق الفلسطينيين من قتل وتهجير وسرقة، وقبول هذه الحقيقة يجعل الدعاية الصهيونية غير متناسقة مع نفسها، إذ أنها تستنكر الاضطهاد الذي تعرض له اليهود من جهة وتمارس الاضطهاد بحق الفلسطينيين من جهة أخرى.
  3. لم يتسبب الفلسطينيون باضطهاد اليهود في أوروبا ولم يسلبوا منهم حقوقهم، بل كان الأوروبيون أنفسهم السبب في كل الجرائم ضد السامية، فبأي حق يسمح الغرب لنفسه – متمثلاً بوعد بلفور- بالتكفير عن الذنب الأوروبي على حساب حقوق الفلسطينيين الذين لم يكن لهم أي ذنب في اضطهاد اليهود؟

المحور الثاني: استمرار اعتداءات وانتهاكات الكيان الصهيوني

ليست فقط نشأة الكيان الصهيوني غير أخلاقية، بل واستمرارية وجوده أيضاً. ففي كل لحظة مرت منذ يونيو ١٩٤٨ وحتى اليوم ونحن نشهد اعتداءات مستمرة وانتهاكات صارخة لحقوق الفلسطينيين، كلها لم تكن لتحدث لولا استمرارية وجود هذا الكيان وصمت المجتمع الدولي. وهنا لا بد من الإشارة إلى مجموعة من الإشكاليات المرتبطة باستمرارية وجود الكيان الصهيوني:

أولاً: يستمر كيان الاحتلال بجريمة الفصل العنصري

والتي تبلورت بشكلها القانوني عام ٢٠١٨ حين صادق برلمان الاحتلال على “قانون يهودية الدولة” والذي ينص حرفياً بأن “إسرائيل هي الوطن التاريخي للأمة اليهودية” وأن “لليهود فقط في إسرائيل حق تقرير المصير” متجاهلاً تماماً أي حقوق للفلسطينيين على هذه الأرض [٤].

ثانياً: ينكر الكيان الصهيوني حق العودة للفلسطينيين المهجرين في الخارج

…والذين وصل تعدادهم لأكثر من ٦ مليون لاجئ حسب إحصائيات الأونروا عام ٢٠١٩ [٥]، مما يعني استمرار حرمانهم من أبسط حقوقهم التي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي المقابل لازال الكيان الصهيوني مستمراً في سياساته الاستيطانية العنصرية والتي تشجع يهود العالم على الهجرة والاستيطان على أراضي فلسطين.

ثالثاً: يُخضِع كيان الاحتلال جميع سكان الضفة الغربية لقوانين الحكم العسكري غير المباشر،

إذ يحق لأي مجند في جيش الاحتلال قتل أو اعتقال الفلسطينيين واقتحام بيوتهم دون أي أمر قضائي، كما يتم منعهم من حقوقهم المدينة [٦]، بل إن المحكمة العليا في كيان الاحتلال تقر بقانونية هذه الممارسات غير الشرعية وغير الأخلاقية، مما يعني عدم محاسبة المجندين على جرائمهم واستمرارهم في ارتكاب جريمتي الاضطهاد والفصل العنصري.

رابعاً: متابعة الاحتلال في سياسات التوسع الاستيطانية في مدينة القدس وفي الضفة الغربية [٦]،

إذ يتم هدم بيوت الفلسطينيين واستبدالها بمستوطنات جديدة لليهود على حساب السكان الأصليين في استمرارية واضحة لجريمة التطهير العرقي كما حدث مؤخراً في محاولاتهم للاستيلاء على حي الشيخ جراح وحي سلوان.

خامساً: إحكام حصار غير إنساني على قطاع غزة،

وحرمان سكانه من أبسط حقوقهم في التنقل والعلاج والحصول على الماء أو الكهرباء أو الوقود، ومنع وصول المساعدات الإنسانية والدولية لسكان القطاع. بالإضافة إلى الاعتداءات الوحشية المتكررة على قطاع غزة، واستهداف المدنيين، واستخدام أسلحة محرمة دولياً في ظل صمت دولي مشين.

وفي الختام، لطالما نجح الاحتلال في كسب المجتمع الدولي إلى صفه والذي كان دائماً يتغاضى عن كل هذه الجرائم البشعة كالتطهير العرقي والاحتلال الاستيطاني والاضطهاد المستمر بحق الفلسطينيين، إلا أنه يبقى من واجبنا إظهار الحقيقة وإيصالها إلى العالم، فالمتناظر الحق يسعى خلف الحقيقة ولا شيء غيرها، ويحمل على عاتقه مسؤولية إدانة الظلم، ومقاومة الاضطهاد. ولهذا، فإننا ندعو جميع المتناظرين حول العالم إلى توظيف قوة الكلمة عبر الحجة والمنطق في سبيل نشر الوعي بمعاناة الشعب الفلسطيني، وألا يقبلوا بأي مساومة في القضية الفلسطينية، فحقوق الشعب الفلسطيني أمرٌ “غير قابل للتناظر”.


بقلم: محمد خضر – مدرب مناظرات في مركز مناظرات قطر

المصادر:

[١] الأمم المتحدة، اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية،اعتمدت من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 ديسمبر 1948 ضمن قرار الجمعية العامة رقم 260

[٢] إيلان بابيه، التطهير العرقي لفلسطين، ٢٠٠٦

[٣] الموسوعة الفلسطينية، قانون أملاك الغائبين، ١٩٥٠

[٤] قانون يهودية الدولة

[٥] الأمم المتحدة، تقرير منظمة الأونروا عن اللاجئين الفلسطينيين في الخارج، ٢٠١٩

[٦] منظمة هيومن راتس ووتش، تجاوز الحد، ٢٠٢١

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا