Contact Us
8:30 AM - 3:30 PM

الانستقرام

Instagram did not return a 200.
التعديل الجيني: كابوس للبشرية أم بوابة ازدهار؟
يونيو 20, 2021 0

التعديل الجيني: كابوس للبشرية أم بوابة ازدهار؟

الحصول على الجينوم البشري مكتوبًا بالكامل

كان على ما يبدو كبابٍ محكم الإغلاق ويصعب على الكثيرين فتحه، ولكن وبفضل جهود العلماء وتجاربهم المضنية تمَّ التوصل عام 2000 إلى أهم إنجازات البشرية على الإطلاق.

حيث لم تمضِ سنوات طويلة على هذا الإنجاز الكبير حتى أعلنت الباحثة جينيفر دودنا من جامعة بيركلي – كاليفورنيا عام 2012 عن الطريقة السحرية التي تتيح تعديل الجينات والتحكم بها – والتي كانت أقرب للخيال بالنسبة للعلماء قد أصبحت حقيقةً على أرض الواقع – من خلال المخلوقات البدائية المتناهية في الصغر: البكتيريا.

كريسبر( CRISPR ) و تشير اختصاراً إلى: Clustered Regularly Interspaced short Palindromic Repeats  هي التقنية التي تمَّ اكتشافها في عدد من أنواع البكتيريا بعد قيام العلماء بدراسة الجينوم الخاص بها و اكتشاف أنها تحتفظ بمقاطع من الحمض النووي لفيروسات معيّنة كانت تصيب البكتيريا كجزء من الجينوم الخاص بها، ليتضح لاحقاً أنها آلية الدفاع التي تستخدمها البكتيريا لتطوير المناعة ضد هذه الفيروسات.

اكتشاف طريقة عمل هذه الآلية الدفاعية شكّل ثورةً حقيقة:

بعد إصابة البكتيريا بالفايروس تقوم باقتطاع أجزاء من حمضه النووي باستخدام بعض الإنزيمات وتحتفظ بها كجزء من مادتها الوراثية، وفي حال إصابتها مجدداً بالفايروس فإنها تتعرف عليه بسهولة كونها تحتفظ ببصمة خاصة به، وبالتالي تعمل على تفكيك حمضه النووي و منعه من نسخ نفسه.

 ما أعلنته جينيفر دودنا عام 2012 كان توصلها وفريقها البحثي لطريقة تحكم و برمجة كاملة لنظام كريسبر تمكّنهم من التعديل بالطريقة التي يرغبون بها والجين الذي يرغبون به بالتحديد.

بداية الجدل الأخلاقي:

أثار الوصول إلى هذه الإمكانية جدلًا واسعًا وطرحَ تساؤلات أخلاقية عديدة في الأوساط العلمية و أبرزها كيفية استخدام التقنية على الأجنة البشرية، لكن قبل التطرّق إلى الآراء المُنادية بإتاحة هذه التقنية و تطبيقها على البشر و الآراء المُنادية بتقييدها وتحجيمها، نتطرق للحديث عن أربعة مفاهيم أساسية تحددُ تقاطعتها معاً خطوط النقاش والمساحات التي سيذهب إليها وهي:

  1. العلاج: هو الشفاء من الأمراض.
  2. التحسين: هو منح مزايا إضافية لمن يتمتعون بصحة جيدة.
  3. خلايا الجسد: هي  الخلايا التي لا تنتقل منها الصفات الوراثية خلال عملية التكاثر للأجيال التالية.
  4. خلايا التكاثر: هي الخلايا التي تنتقل منها الصفات الوراثية خلال عملية التكاثر للأجيال التالية.

إذا نظرنا مثلاً لتقاطع المفهوم 1 مع المفهوم 3 لن نجد هناك مشاكل في تطبيق هذه التقنية حيث سيتمُّ علاج المرضى وتنتهي نتائج التعديلات التي حدثت على خلاياهم دون انتقالها لأبنائهم.
أما إذا نظرنا إلى تقاطع المفهوم 2 مع المفهوم 3 فإننا نتحدث عما يشبه عمليات التجميل والتي لا تثير الكثير من الأسئلة الأخلاقية.

تبدأ الأسئلة الحقيقية بالظهور عند التفكير مثلاً بمحاولة علاج الأمراض عن طريق تعديل خلايا التكاثر مسبقاً بحيث تكون خلايا المولود خاليةً من  الجينات التي تسبب الإصابة ببعض الأمراض وهو الأمر الذي ينتج تقنياً ” مواليدًا مُعدلين”.

و تزداد الأسئلة أكثر فأكثر كلما تمَّ عرض ونقاش سيناريوهات تعديل خلايا التكاثر بالتحديد لأنها ستساهم بتغيير الأجيال القادمة وما بعدها، سواء كان ذلك التعديل “علاجاً” أم “تحسيناً” حيث أن هناك نقاشاً آخر يدور حول التعريف الدقيق للعلاج و التحسين والتمييز بينهما بوضوح ( هل التحكّم بالصَمم يعتبر علاجاً أم تحسيناً ؟ هل التحكم بطول القامة يعتبر علاجاً أم تحسيناً ؟ إلخ ..).

الحجج المؤيدة للتوسع في استخدام هذه التقنية:

  • إتاحة المجال لهذه التقنية سيساهم في حماية الجنس البشري من الكثير من الأمراض التي شكَلت كابوساً بالنسبة له ولسنوات كالإيدز و فقر الدم و السرطان وغيرها.
  •  تطرح هذه التقنية إمكانية التعديل على جينات المخلوقات الأخرى لتصبح أكثر فائدةً أو أقل ضرراً على الإنسان، حيث من الممكن مثلاً تعديل جينات البعوض الذي ينقل مرض الملاريا ليتم القضاء على هذا المرض الذي أزهق ملايين الأرواح.
  •  ستُمكن هذه التقنية الدول من تعديل النباتات لتتكيف أكثر مع الظروف المناخية الحالية و تعمل على إنتاج المحاصيل بكميات أكبر لفترات أطول خلال العام و بجودة أفضل مما قد يُشكل حلًا للمجاعة.
  • تتميز هذه التقنية بكونها أدق تقنية حتى الآن  للتعديل الجيني. كذلك تتميز بكونها غير مكلفة لذلك يجب فإن التوسع في استخدامها سيساهم في زيادة الأبحاث المتعلقة بالأمراض الخطيرة التي تصيب الإنسان وتطوير المجال الطبي وفتح آفاق جديدة أكثر اتساعاً للبحث عن أدوية ولقاحات كان من الصعب الحصول عليها في الماضي.

الحجج المعارضة للتوسع في استخدام هذه التقنية:

  • الفائدة التي ستنعكس على البشرية والمشاكل الموجودة في العالم حالياً لا تعتبر مبرراً كافيًا للتعدي على كرامة الإنسان وجسده، لأن هذه التقنية ستجعل الإنسان يتحكم بأخيه الإنسان وكيفية سير حياته حيث من الممكن أن تنتجَ أطفالاً بأمراضٍ أو تشوهاتٍ لم تكن موجودةً من قبل.
  • يعتبر التدخل من هذا النوع تلاعباً بالإنسان وتحويله إلى ما يشبه الروبوت المبرمج مسبقاً لآداء مهام معيّنة حيث قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أحد الجلسات الحوارية : “يمكننا أن نتصور أن المهندسين سيضعون صفات محددة خلال عملية خلق إنسان معدل جينيا ليكون “عالم رياضات عبقريًا أو موسيقارًا مبدعًا، ويمكن في المقابل أن يكون جنديًا يقاتل بشجاعة وإقدام وشراسة دون الإحساس بمعاناة الآخرين أو الشفقة عليهم ” (1)

كما ينقل موقع ميدان التابع لشبكة الجزيرة(2) تقريراً نشرته صحيفة الغارديان تقول فيه: “إن وكالة عسكرية أميركية تستثمر عشرات الملايين في تطوير تقنيات التعديل الجيني، وهو الأمر الذي حذرت منه الأمم المتحدة، كما حصلت القوات المسلحة الفرنسية مؤخراً على الموافقة لتطوير جنود معدّلين جينياً”. لذلك يجب عدم التوسع في استخدام هذه التقنية وخصوصًا على البشر.

  • عدم ضمان وقوع الأخطاء أثناء التجارب هو أمر غير مضمون نهائياً حيث أن جينيفرو بحسب مجلة (نيتشر – Nature) بطبعتها العربية (3)، بدأت تشعر بمخاوف جادة وخطيرة متعلقة بالسلامة. وبدأت مخاوفها أثناء اجتماع عُقد في عام 2014، عندما وجدت باحثًا حاصلًا على الدكتوراه يعرض مشروعه البحثي الخاص بهندسة فايروس سيقوم من خلاله بنقل مكونات كريسبر إلى الفئران بهدف إنشاء نموذج لسرطان الرئة عند البشر، و تكمن المخاوف في أن أيّ خطأ بسيط في تصميم الحمض النووي قد يؤدي إلى تطوير فيروسات معدلة وراثيًّا تسبب أمراضاً أخرى للبشر.
  • التعديل الجيني باستخدام هذه التقنية قد ينتنج خللًا بيئيًا من الصعب احتواءه حيث أن الباحثين يشعرون بالقلق من تغيّر الخصائص الوراثية في فئة أو جنس كامل، أو القضاء عليه تمامًا، إذ يؤدي ذلك إلى آثار غير معروفة في المنظومة البيئة والتوازن البيئي. ويعني هذا ـ على سبيل المثال ـ ظهور فئة أخرى من الآفات قد تؤثرعلى الجوارح، أو الحيوانات المفترسة أو السلالات الغذائية(3).

بقلم: لطفي بركة – مدرب مناظرات في مركز مناظرات قطر

المصادر:

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا