Contact Us
8:30 AM - 3:30 PM

الانستقرام

Instagram did not return a 200.
الاقتراض من صندوق النقد الدولي: تأجيج أم إطفاء الحريق؟
أغسطس 16, 2020 0

هل الشروط المطروحة من قبل صندوق النقد الدولي لصالح الدول المستقرضة أم أن الأمر عكس ذلك تماماً؟

تمَّ تأسيس صندوق النقد الدولي سنة 1944 بعد الانتهاء من الحرب العالمية الثانية هادفاً إلى ضمان التعاون الدولي في الأمور المالية، وضمان استقرار سعر العملات وتطوير السيولة الدولية. ولقد قام صندوق النقد الدولي بتقديم مساعدات مالية للدول المختلفة بصور متعددة منذ تأسيسه إلى يومنا هذا. ومن أبرز أشكال المساعدات، الإقراض والتمويل السريع خلال فترة الأزمات وتقديم الدعم المادي للدول منخفضة الدخل.

لدى صندوق النقد الدولي شروطاً للإقراض يتمُّ الاتفاق عليها بين خبراء الصندوق وبين ممثلي الدولة الراغبة في الحصول على قرض أو مساعدة مالية. يرى البعض أنّ جزءاً من هذه الشروط قد تصلُ إلى حَدٍ تَمسُّ السياسات المالية للدول. تتضمن هذه الشروط ، شروطاً قبل الاقتراض مثل ضمان التوازن بين التمويل والدخل من قبل الدولة وإلغاء سياسات لتحديد الأسعار، وشروطاً بعد الحصول على القرض من الصندوق فعلى سبيل المثال:وضع الحد الأقصى لنسبة القروض ونسبة التمويل الحكومي، ووضع الحد الأدنى للكل من: الاحتياط الدولي، الضرائب المحلية، ونسبة الدعم الاجتماعي. وتهدف هذه الشروط جميعها إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية للدول المستقرضة ومن ثم ضمان قدرتها على أداء الديون.[1]

دارت المناظرات حول صلاحية الشروط التي تمس سياسات مالية للدول المستقرضة وفعاليتها في تحسين الأوضاع الاقتصادية حيث هنالك الحجج الداعمة للاقتراض من الصندوق بشروطه وحجج المعارضة.

الححج المؤيدة للاقتراض من صندوق النقد الدولي بالشروط المطروحة

من يدعم تلك الشروط لديهم عدة تبريرات يمكن تلخيص أهمها إلى أربع نقاط أساسية هي: الانتعاش الاقتصادي، القدرة على تسديد الديون، تحسين أحوال الدولة، الاعتماد على المعايير الصحيحة في التعامل مع سياسات مالية.

  1. الانتعاش الاقتصادي

الهدف الأساسي من الاقتراض هو الخروج من الأزمات الاقتصادية والخطوة الأولى لتطبيق ذلك الانتعاش الاقتصادي. طالما لا تقدر الدولة على تحريك العجلات الاقتصادية وإصلاح الحالة الاقتصادية، ستبقى في دائرة الأزمات مهما صرفت من أموال لتمويل حاجات المواطنين. من هذا المنطلق تظهر أهمية الشروط التي يضعها الصندوق على الدول. عندما تقوم الحكومة بتقليل ميزانيتها عن طريق إجراء التوازن بين مصروفاتها وقدرتها المالية حيث ستتضرر فئات معينة في الدولة وتنهار بعض الشركات والمؤسسات ولكن هذه الخطوة مهمة للغاية لإيقاف الأزمات والبدء بالانتعاش الاقتصادي. كما أن خصخصة بعض المؤسسات أيضا تعتبر خطوة مهمة لتحسين الأداء وفي نفس الوقت تقليل ميزانية الحكومة.

مرّت دولة المكسيك في أدنى حالة اقتصادية سنة 1998، ولكنها لم تزلْ ملتزمةً بسياساتٍ ماليّةٍ مخططة مع الصندوق، ونجحت الدولة في الخروج في الأزمة والانتعاش الاقتصادي وأصبحت من أكثر الدول نمواً سنة 1999 مقارنة مع مثيلاتها من الدول التي عانت من أزمة 1997-1998 –[2].

  1. القدرة على أداء الديون

من المعلوم أنّ قدرة الدعم المادي من قبل صندوق النقد الدولي محددة وفقاً لنسبة إنفاق الدول الكبرى وعدد الدول التي تحتاج إلى التمويل والمساعدات خاصة في وقت الأزمات. لذلك على الصندوق أن يضمن أنّ الدول المستقرضة قادرة على سداد الديون وإلا ستنهار قدرة الصندوق على التمويل المستمر بانهيار اقتصاد الدول المستقرضة.

عند الالتزام بتلك الشروط، بإمكان الدولة أن توفر المال للسداد وفق جدول سداد القرض وكذلك بإمكان الصندوق أنْ يعرف مدى جديّة الدولة في اتخاذ القرارات الصعبة لتحسين أحوالها الاقتصادية.

  1. تحسين أحوال الدولة

يعتبر الاقتصاد عاملاً أساسياً في ازدهار الدولة، حيث إنّ الاستقرار الاقتصادي يعكس المستوى المرتفع في الحياة الاجتماعية، بينما يؤدي تدهور الاقتصاد إلى الفوضى وانهيار العديد من مجالات الحياة في الدولة.

عند الالتزام بالشروط المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، ستتمكن الدولة من الحفاظ على أركان الاقتصاد منها المؤسسات المالية، الخدمات الأساسية، والاحتياطات الداخلية والخارجية، وسعر العملات. ومن الممكن بدايةً أن المواطن سيعيش تحت الضغط بسبب انخفاض الدخل وارتفاع الأسعار، ولكن الحكومة ستبقى قادرة على ضمان توفير الحاجات الأساسية وحماية الدولة من الفوضى. وبالعكس، في حال استمرت الحكومة في الإنفاق وعدم الالتزام بالشروط، ستنتهي الموارد تدريجياً وتتراجع قدرة الحكومة على توفير الحاجات الأساسية، ومن ثم ستحدث الفوضى الاجتماعية والسياسية، عندها سيكون من الصعب أن تتخلص الدولة من المشكلة إن بلغت إلى هذا الحد.

وفي هذا السياق لقد كانت كوريا الجنوبية أسرع الدول خروجًا من الأزمة الاقتصادية الآسيوية 1997-1998، حيثُ بدأت الدولة بالاستقراض من الصندوق بمبلغ 58 مليار دولار في نهاية سنة 1997 والتزمت بسياسة مالية متشددة، ثم ارتفعت سعر عملاتها وعادت الاستثمارات الخارجية من أوائل 1998 – [3].

  1. الاعتماد على المعايير الصحيحة في التعامل مع سياسات مالية

هناك عوامل كثيرة تؤثرُ في قرارات الحكومة، فقد تتخذ الحكومة قرارات ليست في صالح الدولة أو تراخي الحكومة في اتخاذ القرارات الصعبة سعياً لرضى الشعب. ولكن في الحقيقة، هذا ليس حلاً للأزمة الاقتصادية بل تأجيجا للمشكلة. لذلك وجود الشروط الدقيقة من قبل المنظمة الدولية يعتبر ضروريًا للقضاء على المشاكل الاقتصادية. وجدير بالذكر، أنّهُ عندما وضع الصندوق الدولي هذه الشروط، فقد قام بدراسة الأضرار والفوائد المتوقعّة على الدولة المعنيّة بطريقة احترافية بناءٍ على تجربته السابقة مع الدول الأخرى والوضع الخاص بالدولة المستقرضة.

الححج المعارضة للاقتراض من صندوق النقد الدولي بالشروط المطروحة

تتركز حجج هذا الفريق الذي لا يدعم الشروط التي ترافق الاقتراض من صندوق النقد الدولي، في خمس نقاط وهي: زيادة التدهور الاقتصادي، زعزعة الأمن، الاعتماد المستمر على الصندوق، ضياع الأنظمة الديمقراطية، عدم السيطرة على أساس المشكلة.

  1. زيادة التدهور الاقتصادي

شهدت بعض الدول المستقرضة من الصندوق زيادة التدهور الاقتصادي. وإن كان هذا الأثر متوقعاً لفترة بسيطة، إلى أنها تشكل مشكلة كبيرة خاصة للدول التي لا تزال تعاني من الأزمات.

وفي حال كانت الدولة على وشك السقوط قبل الاستقراض، وتعاني الدولة من زيادة نسبة البطالة، وندرة المشاريع التنموية، وتعطل الأسواق، ثم يترافقُ ذلك مع شروطٍ تفرض عليها مثل تقليل النفقات على المشاريع، وخصخصة الخدمات الأساسية، والتشديد في إجراءات الاستقراض من البنوك. فإنه من المتوقع زيادة الأزمات وتفاقم البطالة والفقر والتعرّض لخطر الإفلاس. 

وعلى الرغم من أنّ كوريا الجنوبية كانت من أفضل الدول تحكمًا في الأوضاع الاقتصادية وقت الأزمات والأكثر التزامًا بخطة الصندوق والتقيّد بسياسة مالية فرضت عليها، إلا أنه بعد الاستقراض من الصندوق، وفي أواخر التسعينات، زادت نسبة البطالة من 3% إلى 10%.

  1. زعزعة الاستقرار

يلاحظُ في حال عدم قدرة الدولة على مراعاة حاجات المواطنين وقت الأزمات، خروج الشعب إلى المظاهرات، وهذا ردّة فعلٍ أوليّة خاصة ً لدى المجموعة التي تطردُ من العمل، ويتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية، ويظهرُ ذلك جليّاً في الدولة المهيأة للمظاهرات والمطالبات الشعبية.

عند الأزمة الاقتصادية في أوروبا التي بدأت سنة 2010، اقترضت دولة اليونان مبلغ 298 مليار يورو من الصندوق والبنك الأوربي وحاولت الالتزام بالخطة الإصلاحية، ولم يمنع هذا الشعب من الخروج إلى الشوارع.  

وقد اعترف المكتب المستقل التابع للصندوق في سنة 2016 بفشل الصندوق في تقييم الأوضاع وحجم المشكلة عند التعامل مع الأزمات الاقتصادية الأوربية – [4].

  1. الاعتماد المستمر للصندوق

من المشاكل التي وقعت في كثير من الدول المستقرضة من الصندوق عدم قدرتها على السداد وفق المخطط ، وإن التزمت بالخطة المتفق عليها مع الصندوق. مما يترتب على ذلك وجوب الالتزام بخطة الصندوق لفترة طويلة، وقد يؤدي ذلك إلى خلل في حرية الدولة وتقرير المسار.

ومن ضمن الدول المستقرضة، 11 منها لم تزل تعتمد على الصندوق لمدة أكثر من 30 سنة، 32 دولة اعتمدت على الصندوق لمدة ما بين 20 إلى 29 سنة و41 دولة كانت تحت الاقتراض من الصندوق لمدة ما بين 10 إلى 19 سنة – [5] خلال هذه الفترة، يفرض على الدول الالتزام بخطة إصلاحية من قبل الصندوق.

عند الأزمة المالية الآسيوية، قامت تايلاند، والفليبين وإندونيسيا بالاستقراض من الصندوق ونتيجة لذلك، زادَ الأمرُ سوءاً، حيثُ تقيّدت هذه الدول بسياسة اقتصادية معينة والتي غيّرت المسار الاقتصادي للدول المستقرضة حتى بعد الانتهاء من الأزمات، بينما في المقابل  لم تقبل ماليزيا الاقتراض ورسمت لنفسها خطة بديلة ، أدّت إلى نجاحها في تقليل الأثر من الأزمة ومقاومتها بالإضافة إلى الاستقلالية في سياستها المالية – [6].

ومن ناحية أخرى، استمرار حصول المؤسسات المالية على الدعم من الدولة عن الطريق الصندوق عند الأزمة أمرٌ سلبيٌ للاقتصاد، فقد يؤدي إلى الخلل في الموازنة بين الفوائد والأضرار المتوقعة عند اتخاذ القرارات الخطيرة.

  1. ضياع الأنظمة الديمقراطية

مما تمتاز به أيُّ دولةٍ ديمقراطية، إتاحة الفرص للمواطنين للتعبير عن آرائهم وطموحاتهم وهذه تعتبر خطوة مهمة لتقدم الدولة في مجالات شتى. ولكن هذا الامتياز ينتقل إلى سلاح ضد الأنظمة الديمقراطية في حالة عدم قدرة الحكومة على التحكم في أحوال الدولة. وعلى سبيل المثال سنة  1971 اتفقت دولة غانا مع الصندوق على بعض الإجراءات اللازمة للقضاء على الأزمة الاقتصادية مقابل الاقتراض. ونتيجة لتطبيق الإجراءات، انخفضت سعر عملاتها بنسبة 40% وارتفعت أسعار الواردات، مما أدى للخروج إلى الشوارع، وقامت السلطة العسكرية بالانقلاب على النظام بعد ثلاثة أسابيع. وقد تكررت نفس المشكلة في تركيا سنة 1990 حيث وقعت الحكومة المنتخبة مع الصندوق للقضاء على المشاكل الاقتصادية ثم بدأت المظاهرات وأدت إلى الانقلاب العسكري وتعطل البرلمان – [7].

  1. عدم السيطرة على منبع المشكلة من الأساس 

لكل دولة خلفية اجتماعية واقتصادية وسياسية وبيئية خاصة بها، لذلك من الخطأ إرجاع الازمات الاقتصادية في الدول إلى سوء تدابير السياسة المالية فقط. هنالك أسباب مرتبطة بالفساد، وأسباب تتعلق بالنظم السياسية، التدخلات الخارجية، الكوارث الطبيعية، الفوضى الاجتماعية إلخ…. لذلك فإنّ الإصرار على إصلاح الحالة الاقتصادية بطريقة خططها الصندوق مع تجاهل معالجة منبع المشكلة، واللامبالاة بالتكوين الثقافي والاجتماعي والجغرافي والسياسي للدولة لن يضمن النجاح في خروج الدولة من أزمتها. لذلك تخلّت دولة جنوب أفريقيا عن الصندوق منذ سنة 1994، ولم تلجأ إليه تركيا عند مواجهة الأزمة مؤخرة.

وفي هذا السياق عندما عصفت بدولة المكسيك الموجة الأولى من الأزمة الاقتصادية سنة 1995، اقترضت من الصندوق، والتزمت بشروطه، وكانت قادرة على الدفع لفترة بسيطة، لكن انقلبت الأوضاع عند الموجة الثانية من الأزمة سنة 1998، حيث إن السياسات المالية التي اتخذتها المكسيك مع الصندوق كانت غير كافية لمواكبة الأزمة، ونتيجة لذلك تدهور اقتصاد الدولة، وزاد الاقتراض، وتدنّت نسبة الدخل. واعتبرت هذه أسوأ حالة اقتصادية مرّت بها دولة المكسيك – [8].


بقلم: محمد سلمان – مدرب مناظرات في مركز مناظرات قطر

[1] https://www.imf.org/en/About/Factsheets/Sheets/2016/08/02/21/28/IMF-Conditionality

[2]  https://www.dallasfed.org/~/media/documents/research/busfront/bus9901.pdf

[3]  https://www.imf.org/external/np/seminars/eng/2006/cpem/pdf/kihwan.pdf

[4] https://www.theguardian.com/business/2016/jul/28/imf-watchdog-criticises-handling-eurozone-crisis

[5] https://www.cato.org/publications/speeches/why-imf-should-not-intervene

[6]  https://www.essentialaction.org/imf/asia.htm

[7] https://faculty.wcas.northwestern.edu/~scn407/documents/NelsonandWallace-IMFandDemocracyRIOFINAL.pdf

[8] https://www.dw.com/en/imf-bailouts-roads-to-stability-or-recipes-for-disaster/a-45338114

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا