Contact Us
8:30 AM - 3:30 PM

الانستقرام

Instagram did not return a 200.
إنقاذ الشركات المتعثرة أثناء الأزمة الاقتصادية
نوفمبر 9, 2020 0

هل يجب على الحكومات التدخل لمساعدة الشركات المتعثرة أثناء الأزمات الاقتصادية؟

تعتبر الأزمات الاقتصادية من الظواهر التي يتكرر حدوثها عبر التاريخ بتفاوت أشكالها وأحجامها، حيث تختص بعضها بدولة معينة وتقع بعضها على عدة دول وقد تشمل بعض الأزمات معظم دول العالم، مع مراعاة للاختلافات حول مسببات الأزمات.

وفي كثيرٍ من الأحيان تتشابه الأزمات الاقتصادية في أثرها خاصةَ على الشركات الربحية ، فنجد سقوط مجموعة من الشركات ، وأخرى تتعرض لخسارات كبرى، ونجاح البعض منها حسب حاجة السوق وظروف الأزمة ، ومثال على ذلك ما حققته الشركات الطبية حاليًا من أرباح غير متوقعة.

وفيما يخص دور الحكومة خلال الأزمات، فإنّها عادة تُقبل على إنقاذ الشركات الربحية بتقديم الدعم المادي لتفادي الإفلاس أو السقوط. ويتضمن الدعم الحكومي أشكالاً متنوعة، مثل القروض وضماناتها،أو شراء السندات والأسهم، أو الدعم المادي المباشر.

تختلف الآراء حول فوائد وأضرار إنقاذ الشركات، وهنا نتساءل:

هل فوائد إنقاذ الشركات المتعثرة تفوق الأضرار أم لا ؟

الحجج المؤيدة لتدخل الحكومات لإنقاذ الشركات المتعثرة:

يعتمد من يدعم إنقاذ الشركات الربحية أثناء الأزمات على بعض الحجج الأساسية من منطلق اقتصادي واجتماعي.

  1. حماية اقتصاد الدولة من السقوط

من ناحية اقتصادية، كل تغيير يطرأ على أي قطاع اقتصادي له تأثير كبير على اقتصاد الدولة لوجود تأثير الدومينو بين العناصر المختلفة التي تحرك العجلات الاقتصادية.

سقوط عدد من الشركات المنتجة للاحتياجات الأساسية للمواطنين يؤدي بالضرورة إلى خسارة المنتجات المتممة لها ويليه ضياع فرص العمل ، ومن ثم ضياع ثقة المستثمرين وعدم القدرة على سداد الديون، واستمرار تلك الحال يؤدي إلى تدهور اقتصاد الدولة والفوضى الاجتماعية.

على سبيل المثال، سقوط الشركات المنتجة للسيارات سيؤثر سلبًا على قطع الغيار والمواد الخام من الحديد والبلاستيك والزجاج، والغاز والبنزين، وعلى البنوك التي توفر القروض. من ناحية أخرى، ستحدث زعزعة في البورصة عندما ينسحب المستثمرون من الشركات المتعلقة بالسيارات بالإضافة إلى انسحاب كامل للمستثمرين .وإذا كانت الدولة تُصدّر السيارات إلى دول أخرى، سيؤدي سقوط الصناعة إلى عدم قدرة الدولة على تغطية الطلبات الخارجية ، وبالتالي عليها تقديم العائد المادي للجهات المتضررة في الخارج مما يُعرّض سعر عملات الدولة للانخفاض. هذا المثال متعلّق فقط بالسيارات، والتأثير سيكون أكبر وأشمل إذا كانت المتضررة هي البنوك أو شركات التأمين وغيرها من المؤسسات المالية.

قال الخبير الاقتصادي الأمريكي داويد ويسس أنه إذا سقطت كرايسلر و جنرال موتورز في سنة 2008 ستعتمد الولايات المتحدة على إضافة 1 مليون من السيارات المستوردة وإخراج إضافة 25 مليار USD سنويا[1] ولكن بالدعم الحكومي نجحت الشركتان في الخروج من الأزمات بدون هذه الآثار المخيفة.

  1. ضمان استمرارية قطاعات مهمة في الدولة

بعض الشركات الوطنية تفوق أهميتها الشركات الأخرى لأنها تُعتبر ركيزة القطاع الذي تمثله في الدولة. فإذا ضاعت تلك الشركات، فقدت الدولة كيانها في هذا القطاع. ومن أهم القطاعات التي تخضع لهذه الأهمية: إدارة الموارد والثروات الوطنية، المواصلات العامة، الخطوط الجوية ، الكهرباء والمياه. وعلى الدولة الاهتمام بهذه الشركات وحمايتها من الانهيار لأن إعادة تأسيسها من جديد سيكلف الدولة مبالغ باهظة.

على سبيل المثال الخطوط الجوية الوطنية التي لا تتوافر لها شركة بديلة. في حال تعرضها للإفلاس، لا بد من إنقاذها بالدعم المادي،وعملية الإنقاذ مبررة لا سيّما إذا كانت الخطوط الجوية مستقرة وتحقق أرباحاً جيدة قبل الأزمة.

 من أجل ذلك فقد قدّمت دولة سنغافورة الدعم المادي الباهظ بمبلغ 13.27 مليار USD    للخطوط الجوية السنغافورية عند انتشار جائحة فيروس كورونا 2019[2].  

أما النقل البري فهو أكثر أهمية مقارنة بالنقل الجوي لأنه يعتبر حاجة أساسية عند كثير من المواطنين. ففي نوفمبر 2020 قدمت المملكة المتحدة الدعم المادي بمبلغ 2.3 مليار USD لهيئة النقل في لندن (TfL) التي تدير المواصلات العامة من القطارات والباصات في لندن  لضمان استمرارية الخدمات وتجنب الارتفاع الكبير في سعر التذاكر[3].

  1. مساعدة مادية للمواطنين

من المعلوم أنّ من أهمّ أولويات الشركات تحقيق الأرباح وتجنب الخسارة ، ولذلك من المتوقع أن تقوم تلك الشركات بتخفيض عدد الموظفين كأوّل إجراء لمواجهة الأزمات، ويزيدُ هذا في حجم البطالة وأثرها في الحياة الاجتماعية.  

فمن لا يجد العمل لا يمكنه توفير الاحتياجات الأساسية للعائلة أو سداد الديون، وهنا يأتي دور الحكومة كأفضل طريقة للتدخل وتوفير الدعم المادي للشركات بشرط إبقاء الموظفين إلى فترة معينة. وتُعدّ هذه الأعباء الاقتصادية، وإن كانت كبيرة الحجم، لكنها أكثرُ نفعاً مقارنة بالأضرار المتوقعة من ارتفاع نسبة البطالة.

قام مركز أبحاث الناقلات (CAR) بدراسة حول نتائج الانهيار في سنة 2008 ورسم النتائج المتوقعة من السقوط الكامل لأكبر ثلاث شركات منتجة للسيارات في الولايات المتحدة. من ضمن النتائج أن 3 ملايين شخصٍ سيفقدون العمل ويقلُّ الدخل لدى المواطنين بنسبة 150.7 مليارUSD  ، كما سيتوقع حدوث ذلك كله في سنة 2009[4].  وكان المبلغ الذي قدمته الحكومة الأمركية لدعم شركات السيارات تحت برنامج تخفيف الأصول المتعثرة (TARP) سنة 2008 هو 80.7 مليار[5] . وبالمناسبة نجحت الحكومة في إرجاع 70.43 مليار USD  من عملية بيع أسهم هذه الشركات خلال 10 سنوات وبخسارة حولي 9  مليار USD  فقط[6]. إذاً الثمن الحقيقي  الذي دفعته الحكومة الأمريكية لضمان فرص العمل والدخل لنحو 3 ثلاثة ملايين مواطن كان مجرد 9 مليار USD.

  1. الفوائد المادية للحكومة

إنقاذ الشركات لا يعني بالضرورة الفوائد للشركات والخسارة للحكومة ، وربما تنتقل هذه العملية إلى فوائد مزدوجة للطرفين. فعند تقديم الحكومة القرض للشركات المتعثرة، بإمكانها أن تحصل على الفوائد بالإضافة إلى المبلغ الذي قدمته للشركات وأيضًا من الممكن تحقيق استفادة للحكومة من الأسهم الخاصة بالشركات عند بيعها بالسعر الأعلى بعد تجاوز الأزمة وتحسّن الأوضاع الاقتصادية. في هذه الحالة، فإنّ استخدام أموال الدولة لإنقاذ الشركات يعتبر نوعاً من الاستثمار في وقت الأزمات ويفيدها أكثر من ترك الأموال في صندوق الدولة بدون عائدية.

أوضح مثال لذلك حينما دفعت الحكومة الهندية مبلغ ما يقارب 1.8 مليار USD سنة 2002  لوحدات الثقة  في الهند (UTI) من أجل حمايتها من السقوط، وبعد 15 سنة حققت الحكومة أرباح ما يقارب 30% بالإضافة إلى المبلغ الذي قدمته ل UTI. وكذلك عند تقديم المساعدات المادية للشركات باشتراط عدم طرد الموظفين إلى فترة معينة، ستقلُّ مسؤولية الحكومة تجاه المواطنين  إذا زاد الأمر سوءاً في المستقبل.

الحجج المعارضة لتدخل الحكومات لإنقاذ الشركات المتعثرة:

أما في حال لا يوجد دعم لإنقاذ الشركات من قبل الحكومة، فإن الحجج التي يقدمها مناصرو هذا الجانب كالآتي.

  1. وجود طرق أخرى أفضل لحسن استغلال أموال الدولة وقت الأزمات

تتضرر جميع القطاعات عند وقوع الدولة في الأزمات الاقتصادية ويتأثر بها كثير من المواطنين بغض النظر عن مستواهم المعيشي ومجالات عملهم وتبرز في هذه الفترة أهمية الاعتماد على طرق صحيحة في استغلال أموال الدولة لتحقيق المصلحة المرجوة. لأن إنقاذ الشركات قد يفيد الموظفين ولكن الاستفادة الأكثر من أموال الحكومة يحققها أصحاب الشركات وكبار الموظفين والمستثمرين. ومن المستحسن للحكومة تقديم الدعم المباشر للشعب المحتاج، فربما المبلغ الذي دفعته الحكومة لإنقاذ شركة وطنية واحدة كافية لتوفير الحاجات الأساسية لعدد كبيرمن موظفي تلك الشركة.

وعلى سبيل المثال عندما اهتمت كثير من الدول المتقدمة بتمويل المباشر للمتضررين  في مواجهة جائحة فيروس كورونا 2019، لأن إنقاذ الشركات وحده لا يضمن وصول الأموال إلى المحتاجين، من ضمن تلك الدول: أستراليا، كندا، الدنمارك، آيسلندا، وهولندا[7].

  1. محاولة إنقاذ الشركات لا تضمن نجاحها  في مواكبة الأزمات

غالباً يكون السبب الجوهري الذي يعرض الشركات أو القطاعات للإفلاس موجوداً طول فترة الأزمات ولا يزول إلا عند انتهاء الأزمات نفسها. فعندما تقوم الحكومة بتوفير الدعم المادي للشركات وسبب خسارتها ما زال موجوداً، لا يمكن للحكومة ضمان إنقاذ الشركات ولا خروجها من المأساة. ولو استمرت الأزمات سينتهي آثار الدعم الحكومي وتلجأ الشركات إلى المساعدة مجدداً. إذاً فإنقاذ الشركات وقت الأزمات أصبح خطوة خطيرة للدولة. في نهاية المسار قد تنهار الشركات ويفقد الكثير وظائفهم، وتذهب موارد الحكومة بدون تحقيق الاستفادة.

  1. التمييز بين الشركات  

في كثير من الأحيان، لاتستطيع الحكومة أن توفر المساعدة لكل شركة تعاني أزمة اقتصادية بل إنّها تقوم بمساعدة بعض الشركات وإهمال أخرى وذلك بسبب محدودية موارد الحكومة.

وبالتالي فإنّ إنقاذ بعض الشركات وإهمال غيرها سيؤدي إلى  إفلاس بعض الشركات المهملة أو تعرضها لخسارات كبيرة. وهذا الأثر يستمر لفترة طويلة حتى سنوات عديدة بعد انتهاء الأزمات. ويكون قرار الحكومة ، من ناحية المبدأ، غير منصف للشركات.

عند الأزمات الاقتصادية 2008، تركت الحكومة الأمريكية  ليمان براذرز للإفلاس بدون أي مساعدة ، وحاولت الحكومة إنقاذ بير ستيرنز قبلها و أنقذت A.I.G  بعدها وهما شركتان مشابهتان لليمان براذرز في طبيعة العمل، لكن بير ستيرنز أعلنت إفلاسها بعد فترة بسيطة[8]  من استلامها الدعم الحكومي ، وهنا يطرحُ السؤال نفسه هل كان هذا القرار صائباً وعادلاً لشركة ليمان براذرز.

  1. القرارات الخطيرة التي تتخذها الشركات الربحية

إنقاذ الحكومة للشركات يجلب الثقة عند أصحابها ممن تمَّ إنقاذهم، واللاعبين الآخرين في نفس المجال يأملون بمساندات الحكومة لهم عندما تتعرض شركاتهم للإفلاس. هذه العقلية ستدفع أصحاب  الشركات إلى اتخاذ القرارات الخطيرة وعدم إعداد الموارد والكوادر لمواجهة الأزمات إيمانًا بأن أيدي المساعدة من الحكومة دائمًا موجودة.

وضع الشروط الدقيقة فيما يخص إدارة الموارد لا يضمن عدم اتخاذ الشركات قرارات واستثمارات خطيرة  لأنها ستجد ثغرة للتلاعب مع الشروط، والسبيل الوحيد لضمان التزامها هو إرسال رسالة واضحة بأن الحكومة لا تساندها أثناء الأزمات. وبذلك سيفعّل المساهمون دورهم في مراقبة الإجراءات التي تتخذها إدارة الشركات.

عند انتشار جائحة فيروس كورونا 2019، كان النقل الجوي أكثر القطاعات خسارة وتعرضا للإفلاس، بالإضافة إلى عدم إمكانية نقل الركاب فترة 2019-2020، هناك سبب آخر وراء الضربة على الخطوط الجوية حيث إن الفترة بين 2015-2018 شهدت الأرباح المستمرة للخطوط الجوية ولا تقل أرباح قطاع النقل الجوي عن 25 مليار USD سنوياً منذ 2015 [9] وهذا المبلغ لا يتمّ تحقيقه سابقًا. هذه ظاهرة أدت إلى تنافس كبير بين الخطوط الجوية للسيطرة على السوق العالمي مما أدى إلى عدم الاهتمام بالاحتياطات المالية طمعًا للأرباح المتوقعة. وهذه الخطوط جميعًا على يقين تام بأن الحكومات ستقوم بإنقاذها عند تعرضها للإفلاس وعند حدوث الأزمة 2019-2020 أصبح المخرج الوحيد عن طريق الإنقاذ الحكومي لها.

  1. فتح المجال للفساد أو الاستغلال للمصلحة الفردية

تطبيق سياسة إنقاذ الشركات من قبل الحكومة وقت الأزمات قد تنتقل إلى سياسة مساعدة الأشخاص المختارين من ذوي المكانة. في كثير من الدول الديمقراطية، يشارك أصحاب النفوذ في التجارة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ومن الطبيعي أن يسعى أصحاب الشركات إلى تحقيق مصالح شركاتهم عند تطبيق سياسة إنقاذ الشركات وقت الأزمات لا سيما  بوجود السياسيين وأصحاب المناصب الرفيعة في إدارة الشركات الربحية وإدارة الهيئات المالية في نفس الوقت.

إنّ استغلال عملية الإنقاذ للمصلحة الفردية لا يحدث في الدول النامية فقط، ولكنّه يحدث في الدول الصناعية الكبرى أيضًا. أما ظاهرة الاستغلال في الدول النامية هي التأثير في قرارات الدولة للحصول على الدعم المادي وقت الأزمات أو العائد المادي للحزب الحكومي من قبل الشركات التي تمَّ إنقاذها. وقد استفاد أصحاب الشركات وكبار المستثمرين  في الدول المتقدمة، من علاقاتهم مع صناع القرار.   أجريت دراسة من قبل أربع أساتذة في جامعة ستانفورد وقد أثبتت بأن الأرباح المحققة من البورصة لدى أصحاب ومدراء الشركات الذين لديهم العلاقات الوثيقة مع صناع القرار في منظمات إدارة البنوك في الولايات المتحدة تفوق على أرباح غيرهم بنسبة 8.89 % أثناء تطبيق برنامج تخفيف الأصول المتعثرة (TARP) لإنقاذ الشركات الربحية عند الأزمة الاقتصادية سنة 2008-2009[10].


بقلم: محمد سلمان – مدرب مناظرات في مركز مناظرات قطر

المراجع:

[1] https://money.cnn.com/2008/11/20/news/gm_depression/index.htm?postversion=2008112414

[2]https://www.aljazeera.com/economy/2020/3/27/singapore-airlines-gets-13bn-lifeline-as-airlines-beg-for-help

[3] https://www.thenews.com.pk/print/737648-transport-for-london-secures-a-1-8-billion-bailout

[4] https://web.archive.org/web/20090205035647/http://www.cargroup.org/documents/FINALDetroitThreeContractionImpact_3__000.pdf

[5] https://www.thebalance.com/auto-industry-bailout-gm-ford-chrysler-3305670

[6] https://www.usatoday.com/story/money/cars/2014/12/30/auto-bailout-tarp-gm-chrysler/21061251/

[7] https://taxfoundation.org/coronavirus-country-by-country-responses/

[8] https://www.irishtimes.com/business/economy/why-lehman-brothers-was-allowed-to-fail-1.1523885

[9] https://www.flightglobal.com/airlines/how-the-airline-industry-grew-profitable-over-the-decade/135918.article

[10] https://www.ieseinsight.com/doc.aspx?id=1874&ar=1

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا